محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
315
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته . فمن لازم الكون ، وبقي معه ، وقصر همّته عليه ، ولم تفتح له ميادين الغيوب الملكوتية ، ولا خلص سيره إلى فضاء مشاهدة الوحدانية فهو مسجون بمحيطاته ، ومحصور في هيكل ذاته ، وهذه هي صفات أصحاب النار كما قال اللّه تعالى : أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] وليس في جهنم عذاب أعظم من السجن والحصر والضيق والقهر ، كما قال اللّه تعالى : وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [ الفرقان : 13 ] وما ذكرناه هو حال من بقي مع نفسه ، وعمل على نيل حظه كائنا ما كان . وفي بعض الآثار المروية عن اللّه عزّ وجلّ : ( عبدي : إجعلني مكان همّك أكفك كلّ هم . ما كنت بك فأنت في محل البعد ، وما كنت بي فأنت في محل القرب ؛ فاختر لنفسك ) . أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك . فرق بين كونك وكون الأكوان معك ؛ فإن كونك مع الأكوان يقتضي تقييدك بها ، وحاجتك إليها ، فأنت بذلك عبد لها ، ثم هي خاذلتك ، ومسلمتك أحوج ما تكون إليها . وهذه حالة خسيسة يقتضيها عدم شهودك للمكوّن ، وكون الأكوان معك يقتضي ملكك لها ، واستغناءك عنها ، فإنت حينئذ حرّ عنها ، وهي محتاجة إليك ، وخادمة لك ، ومتبركة بك ، حتى الجمادات والحيوانات . وقال الشبلي ، رضي اللّه عنه : « ليس يخطر الكون ببال من عرف المكوّن » . وهذه حالة نفيسة يقتضيها شهودك للمكوّن . قال بعض المشايخ ، رضي اللّه عنهم : « أنا أدخل السوق والأشياء تشتاق إليّ ، وأنا عن جميعها حرّ » . وعن المزّين الكبير ، رضي اللّه تعالى عنه ، قال : كنت مع إبراهيم الخوّاص في بعض أسفاره ، فإذا عقرب تسعى على فخذه ، فقمت لأقتلها ، فمنعني ، وقال : دعها كل شيء مفتقر إلينا ، ولسنا مفتقرين إلى شيء » . وقال محمد بن المبارك الصوفي ، رحمه اللّه تعالى : « كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس ، فنزلنا في وقت القائلة تحت شجرة رمان ، فصلينا ركعتين ، فسمعت صوتا من أصل شجرة الرّمان : يا أبا إسحق أكرمنا بأن تأكل منا شيئا . فطأطأ إبراهيم رأسه . فقال ذلك ثلاث مرات ، ثم قال : يا محمد ، كن شفيعا إليه ؛ ليتناول منا شيئا .